الشنقيطي
152
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله : يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ، أي يتطهر ويستزيد ، إذ التزكية تأتي بمعنى النماء ، كقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] ، وهذا رد على قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) [ الأعلى : 14 ] ، وعلى عموم : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) [ الليل : 5 ] ، ولا يقال : إنها زكاة المال ، لأن الزكاة لم تشرع إلا بالمدينة ، والسورة مكية عند الجمهور ، وقيل : مدنية . والصحيح الأول . تنبيه قد قيل أيضا : إن المراد بقوله : وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) [ الليل : 17 - 18 ] ، إلى آخر السورة . نازل في أبي بكر رضي اللّه عنه ، لما كان يعتق ضعفة المسلمين ، ومن يعذبون على إسلامهم في مكة ، فقيل له : لو اشتريت الأقوياء يساعدونك ويدافعون عنك . فأنزل اللّه الآيات إلى قوله : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [ الليل : 19 - 20 ] ، وابتغاء وجه رب هو بعينه ، وصدق بالحسنى أي لوجه اللّه يرجو الثواب من اللّه . وكما تقدم ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وإن صورة السبب قطعية الدخول . فهذه بشرى عظيمة للصديق رضي اللّه عنه ، ولسوف يرضى في غاية من التأكيد من اللّه تعالى ، على وعده إياه صلى اللّه عليه وسلم وأرضاه . وذكر ابن كثير : أن في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أنفق زوجين في سبيل اللّه دعته خزنة الجنة : يا عبد اللّه هذا خير ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ، ما على من يدعي منها ضرورة ، فهل يدعي منها كلها أحد ؟ نعم ، وأرجو أن تكون منهم » « 1 » . ا ه . وإنا لنرجو اللّه كذلك فضلا منه تعالى . تنبيه في قوله تعالى : وَلَسَوْفَ يَرْضى [ الليل : 21 ] ، وذكر ابن كثير إجماع المفسرين أنها في أبي بكر رضي اللّه عنه أعلى منازل البشرى ، لأن هذا الوصف بعينه ، قيل للرسول صلى اللّه عليه وسلم قطعا في السورة بعدها ، سورة الضحى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن الزبير : الحاكم في المستدرك ، كتاب التفسير 2 / 525 ، 526 .